الشيخ محمد هادي معرفة
575
التفسير الأثرى الجامع
وقال العلّامة المجلسي رحمه اللّه : إنّه تعالى لمّا لم يصرفها عن إرادتهما ووكلهما إلى اختيارهما ، نظرا لمصالح عظيمة ، فكأنّه تعالى شاء ذلك . « 1 » قلت : هذه المسألة تعود إلى مسألة الأمر بين الأمرين ، وموضع إذنه تعالى في وقوع أفعال العباد الاختياريّة . فلا يقع شيء إلّا من بعد إذنه تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 2 » أي لا يتحقّق فعل ما تشاءونه ، إلّا من بعد أن يأذن اللّه سواء أكان خيرا أم شرّا . « 3 » وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ « 4 » . أي لا يتحقّق الضرر الذي أريد ، إلّا من بعد إذنه تعالى . وهذه الإرادة - المعبّر عنها بالإذن في المصطلح القرآني - إرادة حادثة تابعة لإرادة العبد ، تحقيقا لمبدأ الاختيار في التكليف - كما نبّهنا في مجال سابق - حيث كان التكليف للاختبار ، ولا اختبار إلّا مع الاختيار . فاللّه تعالى هو الذي يمهّد السبل لاختيار الهدى أو الضلال . وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ « 5 » . وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها . فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها . قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها . وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها « 6 » . ومن ثمّ كان تعالى يسند كلّا من الإضلال والهداية إلى نفسه يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ « 7 » . والإضلال هنا بمعنى الخذلان « 8 » ، أي الإيكال إلى العبد وما يختار ، بعد أن لم تنفعه الهداية وسلك سبيل الغواية عن عناد ولجاج . . فقد كان كلّ من الإضلال والهداية عن حكمة رشيدة وليس اعتباطا وبلا هوادة . . ومن ثمّ جاء التعقيب بقوله : إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً « 9 » . قوله تعالى : وَقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْ لا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينا آيَةٌ كَذلِكَ قالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [ 2 / 3131 ] أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس ، قال : قال حريملة
--> ( 1 ) البحار 4 : 139 - 140 ؛ مرآة العقول 2 : 161 . ( 2 ) الإنسان 76 : 30 . ( 3 ) إذ لا مؤثّر في الوجود إلّا اللّه . ( 4 ) البقرة 2 : 102 . ( 5 ) البلد 90 : 10 . ( 6 ) الشمس 91 : 7 - 10 . ( 7 ) النحل 16 : 93 . ( 8 ) راجع : التمهيد 3 : 181 وما بعد . ( 9 ) الإنسان 76 : 30 .